الشوكاني
112
فتح القدير
في هذه النعم التي أعطاكم الله آمنين من الموت والعذاب باقين في الدنيا . ولما أبهم النعم في هذا فسرها بقوله ( في جنات وعيون وزروع ونخل طلعها هضيم ) والهضيم النضيج الرخص اللين اللطيف ، والطلع ما يطلع من الثمر ، وذكر النخل مع دخوله تحت الجنات لفضله على سائر الأشجار ، وكثيرا ما يذكرون الشئ الواحد بلفظ يعمه وغيره كما يذكرون النعم ولا يقصدون إلا الإبل ، وهكذا يذكرون الجنة ، ولا يريدون إلا النخل . قال زهير : كأن عيني في غربي مقبلة * من النواضح تسقى جنة سحقا وسحقا جمع سحوق ، ولا يوصف به إلا النخل . وقيل المراد بالجنات غير النخل من الشجر ، والأول أولى . وحكى الماوردي في معنى هضيم اثنى عشر قولا أحسنها وأوفقها للغة ما ذكرناه ( وتنحتون من الجبال بيوتا فرهين ) النحت : النجر والبري ، نحته ينحته بالكسر براه ، والنحاتة البراية ، وكانوا ينحتون بيوتهم من الجبال لما طالت أعمارهم وتهدم بناؤهم من المدر . قرأ ابن كثير وأبو عمرو وابن ذكوان " فرهين " بغير ألف . وقرأ الباقون " فارهين " بالألف . قال أبو عبيدة وغيره : وهما بمعنى واحد . والفره : النشاط ، وفرق بينهما أبو عبيد وغيره فقالوا " فارهين " حاذقين بنحتها ، وقيل متجبرين ، " وفرهين " بطرين أشرين ، وبه قال مجاهد وغيره . وقيل شرهين . وقال الضحاك : كيسين . وقال قتادة : معجبين ناعمين آمنين ، وبه قال الحسن . وقيل فرحين ، قاله الأخفش . وقال ابن زيد : أقوياء ( فاتقوا الله وأطيعون ولا تطيعوا أمر المسرفين ) أي المشركين ، وقيل الذين عقروا الناقة ، ثم وصف هؤلاء المسرفين بقوله ( الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون ) أي ذلك دأبهم يفعلون الفساد في الأرض ولا يصدر منهم الصلاح البتة ( وقالوا إنما أنت من المسحرين ) أي الذين أصيبوا بالسحر قاله مجاهد وقتادة . وقيل المسحر هو المعلل بالطعام والشراب قاله الكلبي وغيره ، فيكون المسحر الذي له سحر ، وهو الرئة ، فكأنهم قالوا إنما أنت بشر مثلنا تأكل وتشرب . قال الفراء : أي إنك تأكل الطعام والشراب وتسحر به ، ومنه قول امرئ القيس أو لبيد : فإن تسألينا فيم نحن فإننا * عصافير من هذا الأنام المسحر وقال امرؤ القيس أيضا : أرانا موضعين لحتم غيب * ونسحر بالطعام وبالشراب قال المؤرج : المسحر المخلوق بلغة ربيعة ( ما أنت إلا بشر مثلنا فأت بآية إن كنت من الصادقين ) في قولك ودعواك ( قال هذه ناقة ) الله ( لها شرب ولكم شرب يوم معلوم ) أي لها نصيب من الماء ولكم نصيب منه معلوم ليس لكم أن تشربوا في اليوم الذي هو نصيبها ، ولا هي تشرب في اليوم الذي هو نصيبكم . قال الفراء : الشرب الحظ من الماء . قال النحاس : فأما المصدر ، فيقال فيه شرب شربا وشربا وأكثرها المضموم ، والشرب بفتح الشين جمع شارب ، والمراد هنا الشرب بالكسر ، وبه قرأ الجمهور فيهما ، وقرأ ابن أبي عبلة بالضم فيهما ( ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب يوم عظيم ) أي لا تمسوها بعقر ، أو ضرب ، أو شئ مما يسوؤها ، وجواب النهي فيأخذكم ( فعقروها فأصبحوا نادمين ) على عقرها ، لما عرفوا أن العذاب نازل بهم ، وذلك أنه أنظرهم ثلاثا ، فظهرت عليهم العلامة في كل يوم وندموا حيث لا ينفع الندم ، لأن ذلك لا يجدي عند معاينة العذاب وظهور آثاره ( فأخذهم العذاب ) الذي وعدهم به . وقد تقدم تفسير قوله ( إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ) وإن ربك لهو العزيز الرحيم في هذه السورة ، وتقدم أيضا تفسير قصة صالح وقومه في غير هذه السورة .